المحامي الذي أحب سالي



التقنيا للمرة الأولى، كل قادم من مدرسته الابتدائية يحمل زيًّا أخضر، وقلبًا أخضر، وعينين تحتضنان السماء.

حكواتي، وثرثار جميل، وعنيد أيضًا. لكن قلبه الكبير كان يحزن كلما شاهد مسلسل سالي، حين يرى الظلم الواضح عليها، ونصيبها السيئ في الحياة.

ترافقنا بعدها بسنوات على مقاعد المدرسة الثانوية. جمعنا التدين والكتب زمنًا، و الحزن على سالي أيضًا. ومع ذلك كنا على طرفي نقيض: كانت العلوم تغريني وهو يكرهها، أحبّ نزار قباني ويحبّ علي الطنطاوي، أقرأ شكسبير وهو يقرأ لابن القيّم. كان ينظر إلى الحياة بطرف عينيه، بينما أنظر إليها بكل جوارحي.

في سنته الأخيرة في الثانوية، قرر فجأة أن يتعثر في اختبارات الفصل الأخير. أن يُنقص درجاته عمدًا حتى لا يجد أمامه خيارات كثيرة تضطره للاختيار بين رغبته ورغبة المجتمع. كان حرًّا في كل شيء.

وفي يومنا الأخير معا، في منتصف 2002، افترقنا؛ كلٌّ في طريقه. ذهب لدراسة الشريعة، وذهبتُ لدراسة الطب ومنها إلى التقنية.

ما زلت أتذكر حديثه الطويل عن الحياة ومساراتها، عن قصصه اللذيذة وحواراته العميقة، عن رأي ابن تيمية في العقل والنقل، وعن قصائد شوقي وكتب العقاد.

لم يجمعنا شيء طوال هذه السنوات، لم نلتقِ. كنا على خطين متوازيين لا يلتقيان، ذهب مع الريح، وذهبتُ أنا أيضًا.

وبعد عشرين عامًا من لقائنا الأخير، أصبح محاميًا شهيرًا. التقينا ذات مساء، وكان كما هو؛ قلبه أخضر، وروحه خضراء كما هي. يحمل كتب ابن تيمية، ومعها كتب القانون هذه المرة. يتصدر المجالس، يحاضر، يُلقي التحية كنسر من أعالي السماء.

دعاني إلى منزله ذات مساء، استحضرنا سنوات مضت وحوارات لم تكتمل؛ عن أبناء الثمانينات، عن التحولات في كل شيء، عن قصص الحب السريعة، عن النقاشات الفكرية، عن الأصدقاء الذين غدرت بهم الحياة، عمّا يحدث في العالم.. وعن كل شيء.

باح لي بأنه ترك الوظيفة بمللها وسلطتها، واتجه إلى المحاماة دفاعًا عن الناس و الأمل والحرية أيضًا، وعن قمرٍ صالحٍ للحياة.

قال لي إن أحد الدوافع لاختياره المحاماة كان شعوره بالظلم تجاه سالي، وإنه ما زال يحتفظ لها بكل تفاصيل حزنها وعشها الصغير، وبقدرتها على العيش، وعفوها عند المقدرة.

يقضي جل وقته في السفر وحيدا. يفتش عن ذكريات بني أمية في إسبانيا، يزور مكتبات لندن، لا يكترث بالوقت و المال إلا لماما، حرّ في كل شيء. لا يعمل في رمضان. يرفض الوظيفة و الرأسمالية والقيود التي تفرضها.

 أصبحت مكتبته  أوسع؛ تتسع لكتب التراث واليسار واليمين معًا. تجد كتب الشافعي بجوار ألبير كامو، ورينيه شار، وفتاوى ابن عثيمين جنبًا إلى جنب مع روايات نجيب محفوظ.

أهداني بعض الكتب: مذكرات هشام شرابي ( الجمر والرماد ) رسائل دوستويفسكي، وبعض الذكريات التي ما زالت تسكن القلب والذاكرة.



الاشتراك بالنشرة البريدية

انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.