رهانات المؤسس وحسابات المدير

قبل أيام شاركت منشورًا على لينكدإن و”إكس” حول التوازن بين دور المؤسس ودور الرئيس التنفيذي. المنشور أثار نقاشًا واسعًا وتفاعلًا مختلفًا، ربما لأنه لامس معضلة يعيشها معظم رواد الأعمال ( هنا )

وظيفة المؤسس كما قلت , هي إدخال المخاطرة، ضخ الأفكار الجديدة، اتخاذ رهانات جريئة لا يجرؤ عليها أحد غيره.
أما وظيفة الرئيس التنفيذي فهي العكس تمامًا: تقليل المخاطر، ضبط الإيقاع، والحفاظ على استمرارية الشركة مهما كان.

هذا النقاش ليس جديدًا، بل هو جزء من حوار داخلي دائم بين المؤسسين، والشركاء، وحتى داخل المجتمعات الخاصة برواد الأعمال. والأهم أنه جزء من حديث النفس لأي مؤسس شركة، يتساءل بينه وبين نفسه: هل أستطيع أن أمارس دورًا واحدًا فقط؟ ومتى يكون الوقت المناسب للتخلي عن الآخر؟

كتب عن هذا الموضوع كثيرون، لكن أفضل من عبّر عنه كان جايسون فريد – مؤسس شركة 37Signals – في تدوينته الشهيرة:

مسمّى المؤسس/الرئيس التنفيذي مجرد هراء “Founder CEO is kinda a BS title”

وفيها لخّص المعضلة بجملة واحدة: “المؤسس يعيش ليجرّب ويخاطر، بينما الرئيس التنفيذي يعيش ليقلل المخاطر ويحافظ على السفينة.”

وهذا التناقض هو أصعب ما نعيشه كمؤسسين. لعب دورين مختلفين.

والذي أشار لها أيضا بول غراهام في تدوينة شهيرة أيضا Founder Mode

لكن الرحلة ليست سهلة أبدًا.

بناء شركة تقنية ناشئة يعني أن تدخل في سباق للنمو السريع، أن تبتكر نماذج عمل جديدة، أن تحاول قيادة السوق أو مجاراته. أن تتعلم كيف تنافس، تقنع المستثمرين وتديرهم، تخلق وظائف نوعية، وتبني ثقافة خاصة بالشركة. أن تعيش غالبًا بدون كاش، لا تستطيع الحصول على قروض بنكية إلا نادرًا، وتجد نفسك في حرب المواهب و ابقاء الموظفين  وأنت مغمض العينين و بحلول شبه محدودة

تقاتل لإثبات نموذج العمل، و ادخال الابتكار و تطوير المنتجات الجديدة و قيادة التوسع  وتفاجأ بأن الأولويات تتغير كل يوم، وبأن الرسوم أو التحديات القانونية تأتيك دون سابق إنذار. وتتعلم من خلال كل ذلك سلسلة طويلة من الأخطاء:
خطأ التوظيف السريع، أو التوظيف البطيء، أو حتى التوظيف “المتوازن” الذي لا يوازن شيئًا. توظيف مواهب كسالى بذكاء عالٍ، أو منجزين بموهبة محدودة، أو الاثنين معًا.

ثم تقرأ تقريرًا عابرًا يخبرك أن واحدة فقط من كل ألف شركة تصل إلى حلم “اليونيكورن”.
وتحضر مؤتمرًا محليًا فتسمع أن من أصل 418 شركة تقنية سعودية حصلت على استثمار أولي (مرحلة البذرة)، هناك فقط خمس شركات وصلت للمراحل المتقدمة. أي ما نسبته 1% بالكاد.

تواجه أيضًا خطأ اختيار الشكل القانوني الخاطئ الذي قد يهدد بقاء الشركة، فقط لأنك استمعت إلى نصيحة مستثمر لم يؤسس شركة في حياته. أو تقبل استثمارًا في البدايات من طرف يهتم بالصورة والعلاقات العامة أكثر من النجاح المشترك. أخطاء بسيطة في ظاهرها، لكنها قد تجرّك لدوائر المحاكم لسنوات طويلة.

في النهاية تجد نفسك أمام خيارات كلها تحمل نسبة من الخطأ. وكل ما تملكه هو أن تختار الأقل خطأ، مدركًا أن قرارًا صغيرًا اليوم قد يرسم ملامح الشركة بعد خمس سنوات.

أن تحافظ على شغفك في وسط الزحام، أن تعيش كل يوم على الحافة بين الفشل والنجاح، أن تتحمل ضغط المستثمرين من جهة وضغط الفريق من جهة أخرى، بينما تبحث لنفسك عن مساحة صغيرة لالتقاط أنفاسك.

أن تختار بين دورك كمؤسس، أو كقائد للسفينة. وأن تحاول – رغم التناقض – أن تجمع بين الاثنين.

والأصعب أنك تمر بكل هذا للمرة الأولى. تتعلم من الأخطاء وأنت تأمل أن تصل إلى اليابسة محمّلًا بأحلامك، لكن قد تكتشف أنك وصلت محمّلًا بالخسارات فقط. (كما كتب راند فشكين مؤسس MOZ عن “الفصل الأخير” من تجربته مع شركته  هنا  ) ويمكن قراءة كتابة البديع Lost & Founders

المؤسس مهمه لا تنتهي تبدأ من الفكرة و المغامرة و الابتكار و تطوير المنتجات و البحث عن مستثمرين و اقناع الموظفين وكل ما سبق, الرئيس التنفيذي هو دور وظيفي مهم , ولكنه يبقى دورا وظيفيا يختلف باختلاف مراحل و عمر الشركة. الرئيس التنفيذي قد يبحث عن فرصة وظيفية افضل , المؤسس لا يستطيع .. هو محمل بكل الوعود والأحلام و الالتزامات و الآمال أيضا .. 

هو الوحيد القادر على إقناع الرئيس التنفيذي بالاستمرار بأقل الموارد.
وغالبًا… يكون هو نفس الشخص.

الاشتراك بالنشرة البريدية

انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.