لقد كبرنا دون أن ننتبه، لم يُسمح لنا بأن نكبر على مهل
- محمود درويش
………..
أشاهد ابني زياد، يقتنص بعض أغراضي: حذائي الجديد، جواربي، وبعض مقتنياتي. وكلما حاولت منعه، قال لي: “خلاص، كبرت يا أبي.”
لم يزل في الرابعة عشرة، ويقول لي إنني كبرت. شعرت حينها أنني كبرت حقًا… هكذا نكبر فجأة، دون إدراك.
أتذكر ما قاله لي جدي علي ذات يوم، حينما ارتديت حذاءه بالخطأ. قال لي: “لقد كبرت… وستشعر أنك كبرت ذات يوم، حينما يتقاسم أبناؤك مقتنياتك، على مقاس أقدامهم وأكثر.”
رحل جدي قبل سنوات…
سنواتٌ مرت على رحيله المرّ.
كان جدي نافذتي التي أطلّ منها على العالم، الرجل الذي حفظ الشعر والنحو، وأسس منهجه اللغوي، ودَرّس الفقه والحديث. قضى نصف حياته يحتطب ويزرع الشعير والحَبّ والحُبّ أيضًا، والنصف الآخر يعلّم الناس في الفقه، والحديث، والقرآن، والشعر، واللغة.
تزوج جدتي لأمي، وتزوج مرات، وأنجب أكثر من ثلاثين.
كان لديه نظام صارم: يؤم الناس فجرًا في مسجده، يبدأ دروسه، يخبئ مفتاحه في قلبه، ولسانه ينطق بالشافعي وابن تيمية، وقصائد الشعر الجاهلي أيضًا.
متجهًا إلى مزرعته على ظهر حماره، يردد ألفية ابن مالك، يجادل ظله ويسأله حول الاستعارة في قصائد أبي تمام، وهو يحصي حبوب الشعير والقصب.
حين أُطلّ في عينيه، أرى سورة الكهف، وذا القرنين يردم السد، و يوسف عليه السلام حزينًا في سجنه، ونبي الله نوح وهو يحتطب للنجاة قبل الطوفان، وإبراهيم عليه السلام وهو يجادل النمرود.
كان يسألني، وأنا لم أتجاوز العاشرة، عن منطق النبي إبراهيم وحواره الفلسفي، وكيف يسأل الله: “أرني كيف تحيي الموتى.”
يتلو قصصه الممتدة:
عن دخول عبد الناصر إلى اليمن، وهروب “الإمام البدر” حينها.
عن أصوات المدافع مع أذان الفجر في قرى جازان وأطرافها.
عن تأسيس الدولة السعودية التي أدرك بداياتها في شبابه.
عن سفرٍ طويلٍ في مرايا القيظ للحج والعمل.
عن أبيه الفقيه الذي كان يتحدث مع الجن، وكتب “شمس المعارف” و”المخلاف اليماني”.
عن اليمني الذي يُنشد “يحيى عمر”، وعن الشاعر المحضار و فقهاء اليمن، والفل، والكادي، والبن، وأئمة جازان.
عن سور المنارة الذي يحيط بقريته، وعن الذهب المخبأ فيه، وعن قصص المسخ والحكايات الشعبية، والجن في جبال الدقم، وقصص الأنبياء، والنحو، والصرف، والعَروض، والفراهيدي، وسيبويه، وتوضيح العلة والسبب في ما قاله ابن حجر العسقلاني في فتح الباري.
عن الماضي، عن الآتي، عن أخطائه الصغرى، عن أحلامه الكبرى، وعن ندم صغير في حنايا القلب.
هكذا كنت أرى العالم, من ضوء عينيه, ومن أحلامه و حكاياته
قبل رحيله بأيام، وقد بلغ التسعين وضعف بصره، زرته في بيته العامر بالحياة. كان لا يسمع إلا لمامًا، يتلو ما تيسر من الذكر:
“وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا…”
يفسره بلغته العذبة، وقلبه الذي يتشبث بالحياة.
هو الان يُبصرني، مثلما كنت أبصره في مرايا الطفولة و الفرح العذب، ينهض مع العصافير فجرا ، يتلو قليلا من الذكر و الشعر واللغة الفارهة