أعبر البحر الأحمر من الشرق إلى الغرب، متجهًا إلى القاهرة.
لمرات عديدة لا أكاد أحصيها كررت هذا العبور، والتحليق فوق البحر الأحمر باتجاه مصر.
كانت المرة الأولى قبل ما يقارب ٣٥ عامًا، في بداية التسعينيات، والتي صادفت تأهل مصر إلى كأس العالم، وتحقيق مجدي عبد الغني للهدف الوحيد في مونديال ١٩٩٠، ذلك الهدف الذي ظل يذكره في كل لقاء لسنوات، قبل أن يأتي محمد صلاح ليريحنا، والمصريين، والعالم من هدف مجدي عبد الغني!
في ذلك الزمن، بدت لي القاهرة حلمًا وشيئًا آخر.
كنا نقيم كالعادة مع والدي في حي المهندسين،
الشوارع ترتدي صور أفلام عادل إمام: اللعب مع الكبار،
وصور محمود عبد العزيز وهو يتوشح شخصية الشيخ حسني ويدندن:
“يا صهبچية… عايزين شوية…”
المكتبات أيضًا، والصحافة، كانت قادرة على الحياة… وعلى التأثير.
كان المسرح يحتضن وقتها مسرحية الواد سيد الشغال، والتي أذكر أنني حضرتها دون إدراك،
وعلى مسارح أخرى كان يقف محمد صبحي، سمير غانم، وآخرون.
كانت القاهرة في وقتها تحتفظ ببعض بريقها وتأثيرها،
ذلك الذي بدأ يتضاءل منذ سنوات، على كل الأصعدة:
في الثقافة، والسياسة، والحياة العامة أيضًا.
كان الدولار بثلاثة جنيهات تقريبًا،
وكانت الحياة أقل موتًا على المصريين من الآن.
الشوارع القديمة ذاتها، الذكريات ذاتها،
صوت مزامير السيارات العابرة ذاتها، شوارع الزمالك ذاتها،
الضحكات ذاتها، وعربات الفول ذاتها.
كان صوت محمد منير يملأ المكان:
“الليلة يا سمرا… يا سمارة…”
خلال هذه السنوات، تكررت الزيارات: للعمل، والسياحة، ولقاء الأصدقاء.
كنت دائمًا أفضّل وسط البلد: الشوارع الصغيرة، طلعت حرب، كوبري قصر النيل،
المقاهي الصغيرة كحبات التفاح، الفيشاوي، والحسين، مساءات الزمالك ونيلها.
لكن هذه الزيارة لم تكن في القاهرة التي أعرفها،
كانت في “إيجبت” كما يسمّيها البعض سخرية.
مبانٍ ومجمّعات جديدة، لغة مختلفة،
لا مكان لعربات الفول، ولا للنيل.
شركات ناشئة، مقاهٍ أكثر حداثة،
قاهرة مختلفة: أكثر غِنىً وأقل جوعًا…
عكس تلك القاهرة التي تواجه الحياة والوجع وبؤس العالم،
علامات التغيّر بدأت تظهر على جسد المدينة:
هالات سوداء أسفل العينين، تساقط في الشعر والورق، وجع في القلب…
لا توجد منطقة في المنتصف… بين حياة وموت.
تحاول هذه المدينة جاهدَة استعادة شبابها،
ولكنها استبدلت طربها بـ حمو بيكا،
وصور ومسرح عادل إمام بـ علي ربيع،
ومساءات النيل بالتجمّعات الجديدة، والمباني الخرسانية على أطراف المدينة.
أصبحت الشوارع أقل روحًا، وأكثر ضيقًا،
ولا تتسع للحرية، ولا للناس.
على رأي صلاح جاهين:
الشارع دا كنا ساكنين فيه زمان
كل يوم يضيق زيادة عن ما كان
أصبح الآن بعد ما كبرنا عليه
زي بطن الأم… ما لناش فيه مكان
لم يبقَ من كل هذا، إلا قلوب محبّيها وساكنيها،
تلك التي ما زالت تحب الحياة… وتتسع لها أيضًا.