تتأمل في سقف غرفتك، ضجيج، أفكار لا تنتهي، تصارع الطواحين وحيدا،
تمر عليك المدن، كما تمر الأيام بلا استئذان .. لندن، القاهرة، لشبونة، اسطنبول، الرياض، مدريد، جازان، المدينة، مكة..
الرحلة رقم ٤٢ هذا العام ، تتأخر كثيرا عن موعدها، الوصول في منتصف الليل، طفلتي نامت من تعب الانتظار، في انتظار والدها الذي لا يأتي
سيدة جميلة تدخل الأربعين بكامل مشمشها ، تعيد ترتيب أنوثتها عبر شاشة اللاب توب ، تنتظر في المطار .. ولا أحد يأتي كي يُعيد فيها الحياة..
صديق قديم، في وسط لندن، يُطل كأمل لا ينتهي، نتعانق، نقلب الذكريات، بعد سنوات من وجع الحياة
تهاتف شريكك، تتعارك معه، تشتمه، تعتذر،
تعيد النظر في عملك اليومي، تجتمع مع الفريق : “أعتقد بأننا في حاجة لتأسيس إدارة لتجارب العملاء “
رسالة : لعميل غاضب يريد استعادة ٢٣ ريال
تُعيد النظر في وجوه من حولك، نظراتهم إليك، الاسئلة في عيونهم و الأمل أيضا، تعيد قراءة مؤشرات النمو، تتفائل قليلا .. وتذهب إلى وحدتك
رسالة من المحكمة، جلسة طويلة لا تنتهي. موظف جيد قرر الاستقالة، لقاء مع مستثمر جديد في العاشرة مساءاً، نفاق لطيف، ابتسامات لا تنتهي .. يَعدك بالرد، ثم يختفي .. مجلس ادارة، نقاشات طويلة ، ملفات لا تنتهي ..
أمي، تقرر الدخول الى المستشفى للانتصار على نفسها و على ألم السنوات، جراحة خطرة، تفقد ضوء صوتها، تعود للنهوض مرة أخرى
ابني الوحيد زياد، يغادرنا وحيدا إلى ماليزيا، لم يزل في الرابعة عشرة ولكنه قرر أن يكبر
عبدالرحمن حمزه، قرر أن يترك هذا العالم،.. قبل أن يكمل عقده الثاني..
مات عبدالرحمن غرقا، أدى عمرته ، ودع أمه و رحل كضوء بعيد ..
“
بكى الوَلَدُ الذي ضيَّعتُهُ زمناً
لم نفترق .. لكننا لن نلتقي أَبداً
وأَغْلَقَ موجتين صغيرتين على ذراعيه
وحلَّق عالياً
”
**
على حافة الشمال، قررت دولة الاحتلال الاسرائيلي إرباك العالم، وهاجمت إيران، وردّت إيران بدورها. تم قصف الحبيبة قطر، ارتبك العالم، توقفت الرحلات، تغيّرت أسعار النفط، هذا الانسان لن يتوقف قبل أن يقضي على كل شيء .. وكان الإنسان ظلوما جهولا..
تتأمل سقف غرفتك مرة أخرى، تقلب هاتفك، في زاوية صغيرة من ذاكرة هاتفي ، مقطع لبحة صوت خافت “أحب تاني ليه.. و أعمل في حبك إيه ”
أعيد النظر في ذاكرة هاتفي
أراقب سير الماضي. المواعيد السابقة. الاهتمامات. الصور. الأماكن. الحنين. اللحظات العابرة. أرقام لا أعرف مصدرها. أسماء كثيرة بعضها لا أعرف لماذا تسكن هاتفي. قصاصات سخيفة كأن تلتقط صورة لمحادثة واتساب عن شجار في مجموعة الأصدقاء حول أحقية فوز مانشستر يونايتد على ليفربول.
في خانة الملاحظات يسكن شيء آخر، أحلامك الكبرى، خططك لخمس سنوات، مقاطع من أغانيك القديمة، أبيات شعر، الباص المتأخر دائما، الكتب المستعارة،قائمة المطاعم التي ستزورها في رحلتك إلى إسطنبول، تدوينات قديمة تعبر عنك في زمن مضى.. حب عابر.. ورسائل إلى أصدقاءك الذين رحلوا قبل أن ترسلها لهم
أقلب ذاكرة هاتفي ..
اقرأ هذا العنوان : إلى أوباما، رسالة من جنوبي ملون ٢٥ يناير ٢٠٠٩.
رسالة نشرتها في مقالة بصحيفة عكاظ، حينما كانت الصحف تتصدر المشهد.
أخاطب أوباما، إبان اختياره رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، في لحظة وجع تشبه هذه اللحظة، عدوان إسرائيل على غزة
نص عابر كتبته في زمن حر، إلى صديقي المغني القديم : لغزة قلبٌ، كقلب اليمام، إذا ما تبسم عمّ السلام ”
أسأل نفسي، هل أنا .. أنا ؟
أعانق الأصدقاء قليلا، للاحتفال باغلاقنا جولة استثمارية كبيرة .. اشتمّ الرأسمالية مرة أخرى .. المال لعنة لذيذة
زيارة للقاهرة، مساء النيل، و الأصدقاء وصوت جورج وسوف من عربية بائع متجول ” الهوى سلطان، يا عاشقين الهوى سلطان “
أمارس عادتي الأسبوعية، فيلم لكل أسبوع.. أرجنتينيًا ١٩٨٥، معركة بعد أخرى، فيلم الست، عدد من الافلام السخيفة، لا شيء سيبقى من ذاكرتي السينمائية هذا العام، ولكنها عادة لا أتخلى عنها، فيلم سخيف قادر على إخراجي من ضجر الوقت..
تختفي في عزلتك الدائمة، استراحة الأصدقاء، نقاشات سخيفة، و لذيذة، لا شيء يستحق هذا التعب، هنا يتوقف العالم..
هبوط في المبيعات، أداء منخفض، رسالة أخرى مزعجة، اجتماع جديد، محاولة أخرى للنهوض، متأخرات مالية، إطلاق منتج جديد، مكتب جديد، اعتذار احد المستثمرين، ” وسوى الروم خلف ظهرك روم “، عقد جديد ابتسامة عريضة، محامين أكثر، قرارات مزعجة،
رحلة عمل طويلة .. في انتظار دوري لدورة المياة، أرى وجهي يتسلل خلسة
هالات سوداء أسفل العينين، تساقط في الشعر والورق، وجع في القلب، حِفنة من وجع يومي، قصص عابرة تنام في رأسي الفوضوي، آلاف الوجوه المتشابهة، أحدق في المرآة،، وأسأل نفسي ، وماذا بعد كل هذا؟
يقاطعني صوت مضيفة الطائرة، تعلن بلغتها العذبة، نحن على وشك الوصول إلى مطار لشبونة..
هذه الاندلسية التي اختزلت قصائد بن عبّاد و موسيقى زرياب و شموس غرناطة في بحة صوتها و ضوء شفتيها، تبتسم للمسافرين المتعبين، القادمين مثلي من أقاصي الشرق المنهك، حاملين أحلامهم و وصايا زوجاتهم بحثا عن أمل أكبر