” انظر إلى وجهي , أذكره في روحك حتى تستعيده في أحد الأيام وترسمه وتكون هذه هي البداية . عليك أن تعود للرسم فهذا طلبي الأخير , أنك بعد أن ترسمني … تتابع الرسم ,,, “

 

هذا ما قالته فيرونيكا لعشيقها المجنون إدوارد المصاب بمرض انفصام الشخصية (الشزفرينيا) . فيرونيكا هي بطلة تلك الرواية الفاتنة جدا ” فيرونيكا تقرر أن تموت ” والتي يعالج فيها الكاتب البرازيلي الكبير باولو كويليو العلاقة الغامضة التي تربط الإنسان بالحياة .. بالفرح .. بالحب .. من خلال عدة شخصيات تجاورت صدفة في مكان واحد هو ( مركز الأمراض العقلية ) .

والذي دفع كويليو لكتابة الرواية أن جزءا كبيرا من أحداثها وقعت في الحقيقة لفتاة تدعى فيرونيكا وذاته كويليو قد عانى الأمرين حينما دفعت به أسرته إلى مستشفى الأمراض العقلية . ولهذا شدته فيرونيكا وحكاياتها وتجربتها مع الموت ومع الحياة ومع الحب .. وكأنه يردد على مسامعنا نداء محمود درويش ” نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا ” .

 

عندما نقترب من الرواية نجد فيرونيكا فتاة بسيطة عانت كثيرا من العلاقات المضطربة بين والديها وافتراقهما مما دعاها إلى الخروج إلى اللاشيء .. وحلمت أن تعطها الحياة زوجا تحبه ولم يستجيب القدر لندائها , مما دفعها للتخلص من حياتها لتجرب لذة الموت .. واختارت تناول حبوب النوم , ولكنها وجدت نفسها بعد ساعات في مستشفى الأمراض العقلية ؟!

 

تعرفت فيرونيكا على بعض النزلاء وأقامت معهم علاقات صداقة وخاصة النزيلة زدكا التي تعلقت بشاب وسيم أورثها التعب ورحلت خلفه ولم تجده , ومن ثم تعلقت بشاب آخر انطلق هو الآخر للحرب القائمة بين سلوفينيا و يوغسلافيا …

 

 

تلتهمك الرواية في سرديتها المتقنة وحبكتها المتينة والسلسة خاصة في وصف الشخصيات المتناقضة وبالأخص ذلك الشاب ابن سفير يوغسلافيا في البرازيل

( إدوارد ) المصاب بمرض انفصام الشخصية .. والذي تعرض لحادث وهو في طريقه إلى صديقته , مما أقعده في المستشفى فترة طويلة قرأ فيها كثيرا لكثير من الفلاسفة والمبدعين , قرأ فرويد ومدرسة التحليل النفسي مرورا بداروين وماركس وهيجل الذين شكلوا بعض جنونه …

وانطلق كي يكون رساما وفنانا فحاول والداه أن يثنياه عن ذلك .. ولم يوافق !!

 

ولم تتوقف ضغوط والديه حتى آثر الجنون وأصيب بانفصام الشخصية مما دفع والديه لقذفه في مستشفى الأمراض العقلية , وهناك تدور الحكاية …

 

بذكاء ثعلب يدخلنا كويليو في تناقضاتنا الداخلية ففيروينكا التي أرادت الانتحار هي من أشعلت فتيل الحياة في ذوات النزلاء وغيرت أفكارهم .

 

كويليو هنا يريد أن يثبت لي و لك سيدي القارئ أن تعلق الإنسان بالحياة يتم من حيث لا يدري !! حتى لو كان يريد الموت , وهو يؤكد حقيقة صارخة وهي أن بداخل كل منا أكثر من شخصية مختلفة جدا عن غيرها من الشخصيات لذلك تصيبنا التناقضات وتجتاحنا فكرة الموت والسفر إلى البعيد ..

 

-” ما الذي يدفع الإنسان إلى كره نفسه؟؟ “

هكذا قالت الممرضة لفيرونيكا والتي بدورها أجابتها بأنه الخوف الدائم من كل شيء .. من ألا تقوم بما يتوقعه الآخرون تجاهك .. من المستقبل ربما ..

 

الرواية عموما تضرب بجذورها في أعماق الذات البشرية وتحاول سبر أغوارها , بحثا عن الحب , عن الفرح , عن الخوف , والألم والأمل .. وتحمل تحليلا نفسيا دقيقا للنفس البشرية . فذاتها فيرونيكا تحب إدوارد المختل عقليا وهو يحبها ويحاربان الموت والجنون بالحب فقط . ذاتها فيرونيكا التي حاولت الانتحار وخافت من ضجر الحياة تتمسك بقشة الأمل وغيمة الفرح التي تهطل لتبللها بالحب الذي يستطيع انتشالها من الموت ….

 

(2)

 

تعجبني سيرة الروائيين الكبار …  لذلك أسردها هنا !

 

باولو كويليو المولود في ريو دي جانيرو عام 1947 لعائلة من الطبقة المتوسطة والمكونة من مهندس وربة منزل …

عندما دخل ذلك الطفل إلى المدرسة كان كثير النشاط وباحثا عما يشبع رغبته الجامحة في مسابقات الأدب والشعر والتي تقدمها المدرسة وكان دائم الفوز بها رغم عدم اقتناعه بذلك وكنه كان يحلم بما هو أبعد من ذلك , وهو الذي يروي في مذكراته أن شقيقته التقطت أحد أعماله المرمية في صندوق المهملات وقدمتها إلى المدرسة باسمها. وحصلت من خلالها على الجائزة الكبرى …

 

ويحكى لنا كويليو شغفه المتواصل وحلمه كي يكون كاتبا رغم معارضة والديه لهذه الرغبة , حيث كانا يريدانه أن يصبح مهندسا , مما زرع في نفسه سياط التمرد وكسر كل السلاسل التي يفرضها عليه والديه , مما دفع أبوه للاستغراب والتأمل كون كويليو صار مجنونا في نظره مما أضطره لأن يودعه في مصحة عقلية وهو في طفرة عنفوانه في السابعة عشرة من عمره والتي تعرض فيها للعديد من الصدمات الكهربائية والقلق النفسي والتعب الجسدي ..

 

وتأكيدا لما قاله شكسبير يوما ” أعطني مسرحا .. أعطك شعبا مثقفا ” , كان المسرح هو الهاجس اللذيذ لباولو مما دفعه للالتحاق بفرقة مسرحية , وأعتنق الصحافة أيضا . لكن أمرا مثيرا دق ناقوس الخطر ودفعه بعيدا عن المسرح , وهو رأي أبويه الكاثوليكيين الذين يريا المسرح مكانا للفساد وبؤرة للانحلال , وأنه لا يناسب الطبقة المتوسطة في ذلك الوقت , مما دفع كويليو لذات المرض وذات الركن الذي كتب عنه في رواياته الفاتنة , ولم ينقذه من جحيم الجنون إلا رأي الأطباء بأن باولو ليس مجنونا أبدا …

 

 

 

   

 

 

(3)

 

تقول الحكاية الصينية أنه كان هناك في مدينة بعيدة ملك وولي عهده يحكمان شعبا بسيطا , وكان هنالك نهر سحري كل من شرب منه أصيب بالجنون , ولسوء حظ الملك وولي عهده أن كل الشعب شرب من هذا النهر وأصيبوا بالجنون .

ولأن المجنون يرى نفسه عاقلا وغيره مجانين فقد طالب الناس الحاكم وولي عهده بالشرب من النهر , لم يتردد ولي العهد خوفا على حياته وحياة أسرته كن حيا ومجنونا ولا تكن عاقلا ميتا , أما الملك كان محتارا , هل أختار العقل والموت أم أختار الحياة والجنون …

 

ربما كانت هذه الحكاية تنطبق على الكثير من المبدعين وعلى رأسهم باولو الذي عاد للمدرسة وللمسرح وللكتابة والصحافة ومن ثم كتابة الأغاني مع ظهور حركات التمرد الشبابي المعروفة بالهيبز وحققت أغانيه نجاحا باهرا ..

 

انطلق باولو للحياة , رغم ما كانت تعانيه البرازيل من حكم عسكري ظالم رفض باولو كل ذلك وقام بتربية شعره ورفض الهوية الوطنية وتعاطى المخدرات وقام بإصدار مجلة تدعى (كرينج ها \ Kring- ha  ) ترفض كل شيء على هيئة مجلات سوبرمان وميكي ماوس لكنها تحمل في طياتها كل الصراخ والرفض وكل الحرية والأمل . وكانت تدعو إلى مزيد من التقدم وتعاون فيها مع صديقه الموسيقي الكبير راؤول سيشاس والذي اشترك معه في تقديم مفهوم موسيقى الروك البرازيلية , ورغم أن كل السلطات قامت بمصادرة المجلة واعتقال كويليو و سيشاس بتهم معارضة الرأسمالية ..

 

تم إطلاق سراح سيشاس , لكن كويليو ظل حبيس الزنزانة واستمر مسجونا إلى أن تم الإفراج عنه بحجة أنه مجنون , وسبق له دخول المصحة أكثر من مره , فتم إطلاق سراحه ….

 

 

 وعندما بلغ كويليو السادسة والعشرين من عمره وجد كويليو ضالته التي بحث عنها كثير .. وجد المرأة التي أصبحت فيما بعد زوجته وذلك عن انضمامه للعمل في شركة تسجيلات اسمها “بوليجرام ” . وبعد ارتباطه بتلك المرأة قرر كويليو السفر إلى لندن بحثا عن فرصة أجمل للحياة , حيث اشترى آلة للكتابة وبدأ في الكتابة دون أن يلفت الأنظار إلى نتاجه الورقي , وفي عام 1978 وبعد عام واحد فقط عاد أدراجه إلى البرازيل وعمل مديرا لشركة تسجيلات كبيرة , وفجأة ! تعثر كويليو فترك العمل وانفصل عن زوجته .

 

وفي عام 1979 شاءت الصدف أن يلتقي كويليو صديقته القديمة ” كريستيا أوبتنشيكا ” التي صارت فيما بعد زوجته ورفيقة دربه إلى الآن . وبعد مرور سنوات من التعب والفرح والكتابة قرر كويليو أن ينطلق كويليو في رحلته الكبير

إلى ساينتاجو دي كومبوستيلا  شمال أسبانيا , وذلك في عام 1986  وتعرف هذه الرحلة برحلة الحج المسيحية والتي بدأت في القرون الوسطى لزيارة الكاتدرائية .

وبعد أن أتم كويليو رحلته الدينية انطلق ليعبر عن رحلته على الأوراق في كتاب يحكي تجربته وذلك عام 1987 يحكي فيه عن اكتشافاته لحياة الكثير من البشر العاديين وتجاربهم العميقة في الحياة وعنون الكتاب بمسمى ” حاج كومبوستيلا “

 

وفي عام 1987 كتب كويليو روايته الذائعة الصيت ” الخيميائي ” والتي ترجمت لأكثر من 56 لغة وطبعت في أكثر من 150 دولة  وجعلته على رأس الكتاب الأكثر مبيعا في العالم .

 

 

(4)

أي رواية هي الخيميائي ؟

 

شخصيا قرأتها عام 2005 وأنا أزحف في العمر للرقم 21 . كنت مشدودا لها كثيرا, ربما لأنها تذكرني بحكايات جدتي , عن ذلك الراعي الذي يبحث عن الكنز في آخر العالم رغم أن الكنز بين يديه . ربما ..

 

وبمقاربة بسيطة مع حكايات جدتي تتلخص الرواية في رحلة راع أندلسي يدعى سانتياغو يسافر بحثا عن كنزه المدفون قرب أهرامات مصر , بدأت الرحلة من أسبانيا عندما التقى الملك الذي أخبره عن الكنز عبر مضيق جبل طارق مرورا بالمغرب وصولا لمصر , وفي طريقه إلى حلمه تدور أحداث كثيرة ويشهد حروبا طاحنة بين القبائل إلى أن يلتقي الخيميائي حامل الأسرار العظيمة الذي يحثه على البحث , وفي ذات الوقت يصادف حبه الكبير فاطمة , فتشتعل بداخله نيران القلق والحيرة بين البقاء معها أو السفر بحثا عن كنزه المدفون .

 

الرواية في نسختها العربية الأخيرة ، من شركة المطبوعات للتوزيع والنشر وبمقدمة سخية من المؤلف نفسه للنسخة العربية خصيصاً ، ولا غرابة ، فمنذ الصفحات الأولى كان المؤلف يعبر عبر ثقافته عن صداقةٍ عريقة مع الموروثات العربية في كافة مراحل الرحلة التي قام بها بطله سانتياغو من الأندلس إلى مصر مروراً بطنجة والصحراء الغربية وصولاً إلى الأهرامات.

 

ففي هذه الرواية استطاع كويليو أن يشعل قناديل الحياة في نفوس الكثير ممن عانوا الإحباط والضمور . عندما يقول الشيخ للفتى ( أيا تكن , ومهما تفعل ، عندما ترغب حقاً بشيء ما فإن تلك الرغبة تولد من روح الكون ، هذه هي مهمتك على الأرض ) .

 

 نوته موسيقية تعزف الأمل وترسم ابتسامات عديدة على وجوه القراء , وهذا سبب كبير في انتشار الرواية على مستوى العالم , لغة شفافة وعمق فلسفي وتقنية عالية في الكشف عن الذات الجميلة داخل كل إنسان , تلك الذات القادرة على تحقيق كل شيء إن أرادت .

 

الذي أشعل فتيل الفرح بداخلي وأنا أقرأ الرواية , أنها حلقت إلى كل الدنيا وهي تحمل بداخلها صورة ناصعة عن الإسلام – رغم مسيحية كويليو – إلا أنه رسم صورة بهية للإسلام حينما يتحدث بلسان التاجر وهو يقول للفتى (( إن الإسلام يأمرنا بإطعام أي جائع )) وكذلك تصويره الراقي لتعامل المسلمين وأركان عبادتهم وشهامتهم . بل أن بطل الرواية كان الخيميائي لم يكل إلا رجلا عربيا مسلما يتحلى بالحكمة والصدق . ربما هذا يكون أحد أسباب نجاح الرواية بين أيدي القراء العرب والمسلمين على وجه العموم .

 

 

 

 

 

 

 

(5)

عندما يتحقق الحلم

 

مع بداية التسعينات انتشر اسم كويليو وانطلقت نجوميته وكثر قراءه ومحبيه حتى في الأوساط الفنية والفكرية الثقافية وعلى رأس هؤلاء النجمة العالمية جوليا روبرتس والمفكر والفيلسوف أمبرتو إيكو ..

وبدأ كويليو في إصدار روائعه واحدة تلو الأخرى ومنها ” بريدا 90 و الجبل الخامس 96 و على نهر بيدرا هناك جلست فبكيت 96 و فيرونيكا تقرر أن تموت 98  و روايته الجميلة جدا إحدى عشر دقيقة 2003 والتي يتحدث فيها عن العلاقة الغامضة بين الحب والجنس والمتعة والأمل والألم واللذة والتي لاقت نجاحا كبير .. وأتبعها بروايته ساحرة بورتللو 2006 .

وقد قام كويليو بزيارات حول العالم زار فيها الهند وأوروبا وأميركا وفي عام 2000 كان أول كاتب غير مسلم يزور إيران منذ ثورة الخميني 1979 .

وقد قال عن هذه الزيارة : ” لقد تلقيت حبا كبيرا , لكن الأهم أني وجدت فهما لأعمالي أذهلني وهزني من الأعماق , لقد وصلت روحي قبل وصول ذاتي , كانت كتبي حاضرة ووجدت أصدقاء قدامى لم أقابلهم من قبل , إنها تجربة عميقة , ولقد ملأت روحي بالحب والحياة وأحسست أن الحوار ممكن مع كل البشر في كل أرجاء الأرض “

(6)

وصفة النجاح

في لقاء أجرته معه صحيفة الجاردين قال كويليو عن سر النجاح:

“في الأدب أو الحب , يجب أن تتبع العملية الإبداعية دورة الطبيعة ..

ما سبب كل هذا النجاح الذي حققه “باولو كويليو”؟ هذا هو السؤال الذي يردده الصحافيون كثيراً على مسامعي , لكن إذا تصور القراء أن بإمكاني الإجابة عليه ، فمن الأفضل أن يتوقفوا عن القراءة الآن ..

فعملية الإبداع بالنسبة لي تخالف دائماً “أية وصفة لتحقيق النجاح” ..وتتناول كتبي موضوعات مختلفة تدور في أوقات مختلفة ..

حسناً ما قولكم في أن كتابي الأول ( الخيميائي) باعا (25) ألف نسخة قبل ظهور أول إعلان لهما والشيء ذاته حدث في الخارج : فلقد رغب الناشرون في استثمار أموالهم في كاتب برازيلي مجهول عندما لفت انتباههم ما يحدث في البرازيل .

وليس من سر وراء نجاحي ..لكن هناك عوامل دائماً ما تجعل الكون يتواطأ لصالح من يسعى لتحقيق حلمه ..

العامل الأول : يجب أن تؤمن فيما تقوم به .. فمنذ أن قررت التفرغ للأدب والتكسب منه ، تركت كل ما عداه من عمل .. توقفت عن العمل كمؤلف غنائي أو معدّ للتلفزيون أو كصحفي ، ووجهت كل قواي إلى ما يجلب لي السعادة ..

والعامل الثاني : أبداً لن تستطيع تحقيق حلم بمفردك .. وكان القراء هم رفاقي الذين أسهموا في نشر عمل لمؤلف مجهول ..

وأخيراً يجب أن تجد لنفسك طريقاً خاصاً يعينك على تحقيق حلمك ، ويطلق عليه(الأسلوب) في مجال الأدب ..فقد أردت الحديث عن مبادئ قديمة ولكن باستخدام لغة حديثة .. وهكذا جاءت مسوداتي ثلاثة أضعاف الحجم النهائي لكتابي ، لكنني دفعت نفسي للإيمان بقدرة القارئ على إنشاء المشهد ، وركزت على العلاقات بين الشخصيات ..وأثبتت لي التجربة أنني على حق .. وعلى المؤلف أن يغامر .. فليس بوسعي أن أعرف موقف ملايين القراء حول العالم فيما يقرؤونه .. وهكذا فإنني أكتب للشخص الأوحد الذي أعرفه بقدر معقول ، وهو “نفسي” …

 

وبعد ذلك تأتي مرحلة البذر .. فلكل عمل ثمرة من اتصاله بالحياة .. والمبدع لا يستطيع أن يعزل نفسه .. فهو يحتاج أن يكون على اتصال بأقرانه من البشر وكلما تورط في الحياة أكثر .. يصبح أقدر على العثور على لغته الخاصة .. عليه أن يسمح للحياة بنشر البذور في التربة الخصبة للأوعية .. وعندئذ يحين الوقت الذي يكتمل عنده النضج .. فيتدفق النص بأعماق روح المؤلف ..

 

ويقول كويليو متحدثا عن طريقته في الكتابة : ” أستطيع أن أولف كتابا معقدا جديدا كل أسبوع , لكني أؤثر بدلا من ذلك , أن أؤلف كتابا بسيطا ومباشرا كل عامين , كتابا بلا زخرفات أدبية ويخترق قلوب الناس , لأن المعقد لن يفهمه أحد , إلا أن الأغبياء سوف يمتلكهم الانطباع بأنه عمل عبقري , فوراء كل تعقيد فراغ مرعب , قد يبدو أسلوبي سطحيا لأني أتقشف في لغتي إلى أقصى الحدود ” .

 

(7)

في داخل كل منا روح شرقية

 

 

 

التقت إحدى الصحف العربية باولو كويليو وتحدث بطلاقة:

 

فعن الثقافة العربية يقول :
منحتني نظرة أخرى إلى الحياة، مزيداً من الانفتاح. ربما لأنها ثقافة قريبة من الصحراء، فهي تساعد على تبسيط الأمور من دون الوقوع في فخّ التسطيح. منذ أن بدأت احتكاكي بالثقافة العربية، بدأ الإلهام يأتيني بسهولة. الثقافة العربية تقيم اعتباراً كبيراً للأمور الخفية، لما هو غامض وسرّي. أنا ككاتب أحتاج إلى مثل هذه الرؤية المخالفة، إلى مثل هذا الفضاء.

وعن المعنى الصوفي في كتبه يقول
ـ أكثر من ذلك، إنه يحمل نظرة أخرى يصعب ترجمتها في كلمة وحيدة. لكنه شيء يشبه الثقافة اليابانية والثقافة اللاتينية ـ الأميركية مثلاً. بعيداً من الحواجز الثقافية، أنا أؤمن بوجود لغة رمزية تتيح لثقافات مختلفة أن تخلق جسوراً تجعلها تتواصل فيما بينها. في كل مرة ألتقي الثقافة العربية، سواء كان ذلك عبر كتاب، شخص, أو حدث، يزداد ولعي بها.

 

ويعتقد باولو أن ترجمة أعماله إلى اللغة العربية و البحث عن قارئها الحقيقي نوع من التحدّي المطروح عليه كروائي, والذي لا يدرك نتائجه بعد. فالكاتب يؤلف أعماله من دون أن يعرف سلفاً ما سيكون رد فعل القارئ.

أنا متأكد من أمر وحيد هو عدد القراء في العالم العربي, حيث بلغت مبيعات كتبي, بحسب إحصاء أخير، ما يتجاوز الأربعمائة ألف نسخة. وهذا ما يسعدني جداً ويؤثّر فيّ, لأنه يشعرني بالتواصل مع ثقافة أدين لها بعمق, بعدما أعطتني الكثير.

 

 

**

(8)

 

في عام 1996 أرسى كويليو القواعد الأساسية لمعهده , وفي سبتمبر 2000 انطلق المعهد لتوفير الدعم المادي والمعنوي للفقراء في البرازيل .

 

ولإنسانية كويليو العالية وخدمته الجلية للرسالة البشرية تم تعيينه مستشارا فوق العادة لبرنامج اليونسكو المسمى ” التفاعل الروحي والحوار بين الحضارات ”  , وحصل على وسام فارس الفنون والآداب من فرنسا , وحصل على جائزة BAMBI 2001  وهي أهم جائزة أدبية في ألمانيا , كما حصل على العديد من الأوسمة والجوائز من ايطاليا و ايرلندا و بولونيا والبرازيل , وفي عام 2002 تم اختيار كويليو ليحتل المقعد رقم 21 في الأكاديمية البرازيلية للآداب , وألقى خطابا تحدث فيه عن ذلك النور في قلوبنا والأمل الكبير في أرواحنا كبشر مختتما كلامه : ” إن حصولي على هذا الشرف كان حلما آخرا لم أرد أن أتخلى عنه ” ..

 

هكذا عاش كويليو وهكذا يستمر في التنفس بعد أن تعلقت أفئدة الملايين بأحرفه وكلماته وتفاؤله بأن على هذه الأرض ما يُستحق الحياة لأجله ..